مجمع البحوث الاسلامية

344

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

مقصّرا - فلا لوم عليه ، فلا توبة له ولا غفران ، مع أنّ الغفران فيها موقوف بالتّوبة . فهي دالّة على أنّ كلّ ذنب ولو عمدا مصدره جهالة وسفاهة غلبت على المذنب ، فقد قيل : « كلّ ذنب أصابه عبد فهو بجهالة » و « كلّ من عصى ربّه فهو جاهل » . وبها فسّرها كثير منهم ، مثل « يعملون السّوء جاهلين سفهاء » ، « معناه سفاهة وقلّة تحصيل أدّى إلى المعصية » ، « عمل عمل الجهّال » ، « ما يركب الإنسان عن حمق » ، « قال المفسّرون : كلّ من عصى اللّه سمّي جاهلا ، وسمّي فعله جهالة » ونحوها . وقد احتجّوا لهذا المعنى بآيات « الجاهلين » المتقدّمة . وللطّباطبائيّ بحث طريف في وجه تسمية جهله بقبح عمله جهلا بعمله ، وأنّ إتيان العمل عن هوى وشهوة أو غضب جهالة ، ومن خواصّها أنّه إذا سكنت ثورة القوى ولهيب الشّهوة أو الغضب زالت الجهالة وبانت النّدامة ، [ لاحظ « ت وب : التّوبة » ] . وقد حملها بعضهم على أنّ المذنب عالم بذنبه جاهل بعقوبته ، أو بمقدارها أو بآثارها ، فيقال : إنّه جاهل بفعله مجازا ، أو على الجاهل المقصّر ، أو من ارتكب بشبهة تأويل ونحوها ، وكلّها بعيدة عن سياق الآيات . 8 - « جهالة » في ( 20 ) فقط هي ضدّ العلم ، دون « السّفاهة » حسب السّياق : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ فإنّ التّبيّن لرفع الجهل وعدمه قد يستتبع العمل جهلا ، ولا سيّما إذا كان النّبأ عن فاسق . 9 - جاءت ( جهالة ) فيها جميعا نكرة إكبارا للسّفاهة ، وليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن في غير الأخيرة ، وتحقيرا وتقليلا فيها ، اي يجب التّبيّن حتّى ترتفع الجهالة بتّا ، ولا يبقى أيّ شكّ في طغيان القوم وخروجهم عن الطّاعة ، فإذا حصل العلم بذلك جاز لكم إصابتهم ويحرم بدونه . ولك أن تعتبر التّنكير في الجميع للتّعليل : أي أنّ كلّ عمل سوء لا يخلو عن شيء من السّفاهة أو الجهالة . ثانيا في ( 16 ) : إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا بحوث : 1 - ( ظلوما جهولا ) كلاهما صيغة مبالغة ، أريد بهما من غلبت عليه طبيعة الظّلم والجهل ، والظّلم فعل الجوارح ، والجهل فعل القلب . 2 - لمّا كان صدر الآية في الأمانة وعرضها على الإنسان ، حصر المفسّرون هذين اللّفظين فيمن لم يؤدّ الأمانة ، فقالوا : « ظلوما لنفسه جهولا لأمر ربّه ، أو لربّه » « من لم يؤدّ الأمانة فهو ظلوم وغشوم » « ظلوما بحملها جهولا بعاقبتها » « ظلوما بحقّ الأمانة جهولا بما يفعل من الخيانة » « ظلوما بمعصيته ، جهولا بعقاب الأمانة » « جهولا بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة » « جهولا بالّذي فيه الحظّ له » « ظلوما لنفسه ، جهولا بما يلزمه القيام بحقّ اللّه » « جهولا بصعوبة حمل الأمانة في الحال ، والعقوبة الّتي عليها في المآل » « ظلوما لتركه أداء الأمانة ، جهولا لإخطائه ما يساعده مع تمكّنه منه وهو أداؤها » . 3 - هناك خلاف بينهم في أنّ المراد بالإنسان هنا : آدم عليه السّلام أو جنس بني آدم : فقال الفخر الرّازيّ في أحد الوجوه الّذي ذكرها : « آدم ظلم نفسه بالمخالفة ، ولم يعلم ما يعاقب عليه من الإخراج من الجنّة . . . كان شأنه الظّلم